يتناول هذا الخبر مسيرة الأستاذ حاتم مصطفى البطة، الأديب والمترجم والفنان، ودوره البارز في بناء جسور التواصل الثقافي بين العالم العربي وألمانيا من خلال عمله الأكاديمي والفني والإنساني في برلين.

بقلم الأستاذ عماد خالد رحمة، برلين، ألمانيا:

في الحياة لحظات نادرة تمنح الإنسان فرصة الالتقاء بأشخاص لا يشبهون سواهم، أشخاص تتجاوز قيمتهم حدود المهنة والاختصاص، ليغدوا علامات مضيئة في المشهد الإنساني والثقافي، ونماذج حيّة لقدرة الإنسان على تحويل التجربة الشخصية إلى رسالة عامة، والعلم إلى خدمة، والمعرفة إلى نور يبدد ظلمات الجهل وسوء الفهم بين الشعوب والثقافات.

وقد شاءت الظروف أن ألتقي في مدينة برلين بشخصية عربية مرموقة تركت في نفسي أثراً عميقاً، ليس فقط بسبب مكانتها العلمية والثقافية والاجتماعية، بل لما تتمتع به من نبل إنساني ووعي حضاري واتزان فكري قلّ نظيره في زمن تتكاثر فيه الضوضاء ويقل فيه الإصغاء الحقيقي للإنسان. إنها شخصية الأديب والمترجم والشاعر والفنان الأستاذ حاتم مصطفى البطة، الذي استطاع عبر عقود طويلة من العمل الجاد والعطاء المتواصل أن يصبح واحداً من الوجوه العربية المضيئة في ألمانيا، وأن يحظى باحترام واسع في الأوساط العربية والألمانية على حد سواء.

من خان يونس إلى برلين: رحلة المعرفة والانتماء

وُلد حاتم مصطفى محمد البطة في مدينة خان يونس الفلسطينية في الرابع عشر من آب عام 1967، في بيئة أسرية أدركت مبكراً قيمة الكتاب ودور الثقافة في بناء الإنسان. وقد كان لوالده، رحمه الله، فضل كبير في تنمية شغفه بالقراءة والمعرفة، إذ وفر لأبنائه الكتب والروايات والمجلات الثقافية التي فتحت أمامهم نوافذ واسعة على عوالم الفكر والأدب والعلم، وكانت مجلة «العربي» إحدى أهم تلك النوافذ التي أسهمت في تشكيل وعيه المبكر.

ومنذ سنوات الطفولة الأولى، ظهرت ميوله الأدبية والثقافية بوضوح من خلال مشاركته الفاعلة في الإذاعة المدرسية والمسرح والأنشطة الثقافية والفنية. وقد لفتت قدراته اللغوية أنظار معلميه، الذين وجدوا فيه مشروع أديب ومثقف واعد، فشجعوه على الكتابة والتعبير والإبداع.

وفي عام 1986 غادر فلسطين إلى ألمانيا بهدف الدراسة، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الرحلة ستتحول إلى مسيرة حياة طويلة تمتد لعقود، وأن الغربة التي تبدأ عادة بوصفها تجربة شخصية ستتحول لديه إلى مشروع ثقافي وإنساني متكامل.

اللغة بوابة الحضارات:

في برلين، لم يكتف حاتم البطة بتعلم اللغة الألمانية بوصفها وسيلة للتواصل اليومي، بل اقترب منها بوصفها عالماً معرفياً قائماً بذاته. فقد أدرك أن اللغة ليست مجرد مفردات وقواعد، وإنما هي مرآة لروح الأمة وذاكرتها وتاريخها ورؤيتها للعالم.

ومن هذا الفهم العميق نشأ اهتمامه بدراسة العلاقات اللغوية والثقافية بين العربية والألمانية، متأملاً الفوارق والتقاطعات بين اللغتين على المستويات الصوتية والصرفية والدلالية والثقافية. وقد قاده هذا الشغف إلى متابعة دراساته العليا في جامعة هومبولت العريقة، حيث حصل على درجة الماجستير في علم اللسانيات – فرع اللغة الألمانية وآدابها، كما نال درجة الماجستير في تعليم اللغة الألمانية، ودرجة الماجستير في الدراسات العربية.

ولم يكن هذا الإنجاز الأكاديمي مجرد تحصيل علمي، بل كان تعبيراً عن رؤية حضارية تؤمن بأن المعرفة الحقيقية تنشأ عند تقاطع الثقافات، وأن الحوار بين اللغات هو في جوهره حوار بين العقول والوجدان الإنساني.

الترجمة بوصفها رسالة إنسانية:

يشغل الأستاذ حاتم البطة موقعاً مرموقاً بوصفه مترجماً محلفاً ومعتمداً للغتين العربية والألمانية لدى المحاكم وكتّاب العدل والدوائر الرسمية في برلين وكوبلينتس. غير أن الترجمة بالنسبة إليه لم تكن يوماً عملاً تقنياً محضاً، بل رسالة إنسانية وأخلاقية بالدرجة الأولى.

فالترجمة الحقيقية لا تنقل الكلمات فحسب، وإنما تنقل السياقات والمعاني والخلفيات الثقافية، وتسعى إلى إزالة سوء الفهم وبناء جسور الثقة بين البشر. ولهذا استطاع عبر سنوات طويلة من العمل أن يؤدي دوراً مهماً في تقريب المسافات بين أبناء الجاليات العربية والمؤسسات الألمانية، وأن يسهم في تسهيل اندماج كثيرين في المجتمع الجديد دون أن يفقدوا صلتهم بجذورهم الثقافية.

المثقف العضوي وصناعة الوعي:

ينتمي حاتم البطة إلى ذلك النوع النادر من المثقفين الذين لا يحصرون الثقافة في الكتب والندوات، بل يجعلون منها ممارسة يومية ومسؤولية اجتماعية. فهو يؤمن بأن المثقف الحقيقي ليس حارساً للمعرفة فقط، بل هو شريك في صناعة الوعي العام، ومساهم في بناء الإنسان وتطوير المجتمع.

ومن هذا المنطلق، انخرط في تدريس اللغة العربية لأبناء الجاليات العربية ولغير الناطقين بها، واضعاً خبراته اللغوية والأكاديمية في خدمة الأجيال الجديدة، إدراكاً منه أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء الهوية ومستودع الذاكرة الجماعية.

كما أسس قناة «المورد» الثقافية، التي أصبحت منصة معرفية تسعى إلى مد جسور الحوار بين الثقافتين العربية والألمانية، وتقديم محتوى رصين يجمع بين الفائدة اللغوية والوعي الثقافي، ويعرّف المتابعين بأبعاد المجتمع الألماني ومؤسساته وتقاليده الفكرية، إلى جانب تسليط الضوء على جماليات اللغة العربية وثرائها الحضاري.

الفن بوصفه لغةً كونية:

ولا تكتمل صورة حاتم البطة من دون التوقف عند جانبه الفني. فهو موسيقي مرهف الحس، يعزف بإتقان على الرق والدف وآلات الإيقاع المختلفة، ويؤمن بأن الموسيقى واحدة من أكثر اللغات الإنسانية قدرة على تجاوز الحدود والانقسامات.

في حضوره الفني يمتزج الإيقاع بالمعرفة، ويصبح الفن وسيلة للتعبير عن القيم الجمالية والوجدانية التي لا تستطيع الكلمات وحدها احتواءها. ولهذا فإن مشاركاته في الأمسيات الثقافية والفنية لا تقتصر على الأداء الموسيقي، بل تتحول إلى لحظات تواصل إنساني عميق بين الثقافات المختلفة.

التواضع الذي يزين المعرفة:

لعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية الأستاذ حاتم البطة هو ذلك الانسجام النادر بين النجاح والتواضع. فكثيرون يحققون النجاح المهني، لكن القليل منهم ينجحون في الحفاظ على بساطة الروح ونقاء القلب.

وعلى الرغم من مكانته العلمية والثقافية المرموقة، فإنه يبقى قريباً من الناس، دمث الأخلاق، واسع الصدر، محباً للحوار، مؤمناً بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من شهادات ومناصب، بل بما يقدمه من خير للآخرين.

وقد لمست ذلك بنفسي خلال لقاءات وحوارات عديدة جمعَتنا حول الأدب والفكر وقضايا الإنسان والمجتمع والموسيقى والهوية والثقافة. وكانت تلك اللقاءات تؤكد في كل مرة أن الثقافة الحقيقية ليست تراكماً للمعلومات، بل هي قدرة على الإصغاء والتفهم واحترام الاختلاف.

نموذج عربي مضيء في المهجر:

إن الحديث عن حاتم مصطفى البطة هو في جوهره حديث عن نموذج عربي مشرّف في المهجر؛ نموذج استطاع أن ينجح مهنياً وعلمياً دون أن يتنكر لجذوره، وأن يندمج في المجتمع الألماني دون أن يفقد هويته الثقافية، وأن يبني جسور التواصل بين الشرق والغرب دون أن يقع في فخ الانغلاق أو الذوبان.

وهو يمثل جيلاً من الكفاءات العربية التي أثبتت أن الاغتراب ليس بالضرورة حالة فقد أو انقطاع، بل قد يتحول إلى فضاء رحب للإبداع والعطاء وإعادة اكتشاف الذات. فالوطن الحقيقي لا يسكن الجغرافيا وحدها، بل يسكن الضمير واللغة والذاكرة والقيم.

لقد نجح حاتم البطة في أن يكون سفيراً للثقافة العربية بخلقه وعلمه وسلوكه قبل أي شيء آخر، وأن يقدم صورة مشرقة عن الإنسان العربي القادر على الإسهام في بناء المجتمعات الحديثة، والمشاركة في إثراء الحياة الثقافية والفكرية أينما وجد.

ومن القلب، أتمنى له ولأسرته الكريمة دوام الصحة والعافية والنجاح، وأن يواصل رسالته الثقافية والإنسانية النبيلة، وأن يبقى واحداً من الأصوات العربية المضيئة التي تؤمن بأن المعرفة جسر، وأن الثقافة لقاء، وأن الإنسان يظل أجمل ما في هذا العالم حين يجعل من علمه خدمة، ومن موهبته عطاء، ومن حياته رسالة للخير والجمال والمحبة.








0
0
0


تعليقات الفيسبوك